السبت، 28 يناير 2023

شتاء ساخن.. بقلم الشاعر: الحسين بن ابراهيم


شتاء ساخن جدا... 


1)- مطر ناعم يرشق زجاج نافذتي

في أواخر شتاء شحيح

بخل علينا بذرّة رذاذ

أو "قطنة" ثلج

أو حَصوة بَرَدٍ تُحرّك المشاعر النّاعسة..

تُرقصنا..

شتاءٌ شحيحٌ.. بخيلٌ.. ثقيلٌ.. 

بقيَتْ المواعيدُ خلاله

عالقةً.. 

على أغصان الشّجر

طَيَّ شراشف الصّبايا، 

جفّفْنَ فيها عَرَقهُنَّ طيبًا بريحةِ المسكِ و العنبرِ

 بعدما حمّلْنها آمالهُنَّ

 و أجمل أحلامهِنّ

 في غفلةٍ من العجائز

 و الشيوخ...


من لم يعاشرْ أنثى

عاش محروما من كل عطر

جوعانَ لكلّ لذّة

كسلانَ...

يطلب استرخاءً يُعيد أوصاله

إلى أصول مواقعها

من بعد ما فرطت منه تسافر خلف كل غيمة سوداء مجنّحة.. 


2)- رذاذ مطر يسّاقط

و الآمال تسيح....

 تتلاطم...

طوفانا في أخيلة الفلاحين.. 

خضراء طول العام

تُورقُ السّاعاتُ و تتحرّرُ...

و الشّمسُ- هذه السنة-

مثلُ كبّة من لَهَبٍ..

أو حِمم بركانية لطفتها ريح الصبا..

صباحا. 

قبل أن يحترق الكون بما فيه

و أنا.. طائرٌ مستوطنٌ

أرفضُ الرّحيلَ..

أرفضُ ركوبَ البحرِ

 مهما فاضت غِوايتي... 

أتمسّكُ بتلابيب الأرض... 

أتشبّث بجذوع النّخيل... 

بالصّخور الشّاهدة على تعاقب العصور

مُمسكا بالتّراب الذي امتزجت به عيونُ الغابرين و ألسنتُهم و أدمغتُهم... 

و أصبحت سمادا لتربة هذه الأرض المعطاء..


3)- لم يرني أحد 

و أنا أمسح عرق "الغلبة" عن جبيني.. 

فكلهم كانوا مشغولين مثلي

يرطّبون الحرارة و يحاولون استنشاق نَكْهَةَ هواء مُنعشٍ عليلٍ..


لم يرني أحد

تمتد يدي إلى داخل أسمالي

أمسح على صدري..

أروّح عن وتيني..

و النّاس تستغيث من حولي..

و الفلاحون 

يتسارعون إلى السوق... 

أسمع تحاياهم خلفي... 

ألتفت... و إذا بهم

 قد تجاوزوني ذراعا أو باعا أو.... يزيد ... 

جراحٌ بالأقدام تنزفُ دمًا

و أكُفًّا خشِنَةً غليظةً تُمسكُ بألْجمةِ الدّوابِ الهزيلةِ

تذب عن نفسها سحائب من ذبابٍ دمَويّ مِلحاح..

كانت هذه الأكف تحمل مفاتيح الجنّة

كانت أكفا "يُحبّها الله و رسوله" 

و هي اليوم ملطخة بالغِشّ

و المغالطات.. 

بالخداع... 

بالنفاق... 

جوّعتنا... كي تملأَ بطونَ المتفوّقين.. 

أرسلتْ خبزنا الأسمرَ 

بلون بشرتنا

إلى من يملك الذّهب و الفضّة...

و اشترت لنا الخيانة و النّميمة و الكراهية..

و القنابل.


4)- تأجّلت المواعيد.. 

تنازلت الطيور عن أعشاشها

لكتل الثلج تسكنها، 

و الأغصان الخضراء عرّاها الرّيح..

و ذهب بدفئها الصّقيع

فتأججت مشاعر حنين الحُضْنِ إلى الحَضْنِ.. 

و احتوى كل عاشق ألمه يدفنه في صدره مرغما إلى أجل غير مسمى..

و اقتربت طيور الدوري من بعضها

تفرد الجناح...

القوي يحمي الضعيف من السّرب. 

و تقلصت الحواصل الخاوية الا من لحاء الشجر و بعض ألياف العهن المنفوش... و الهباب.


5)- بعض رسائل الغرام

المعطرة

التي كانت تدُسّها البنات المحتشمات

ما بين النهد و الغلالة..

قد أصابها البلل... 

و تمدّدت حروفها و تشابكت

حتى أصبحت رسوما لعناق طويل و لهفة لا تنتهي.... الحب في القلب و لكنّه اندلق مع الحبر و ساح.... 

و خرج للوجود ليطمس أعين العذال و المتطفلين..

ما أروع الشتاء !

ما أروع تورّد الخدود يلفحها الصّقيع

يداعب أرنبة الأنف لتصبح

تفاحة تملأ وجه مهرّج لطيف..

ما أروع الشتاء..

فيه تُشد الأعصابُ و يَنشط الكسولُ و تتحرك الخواملُ،

و تكثر الحواملُ، 

فليلُهُ طويلٌ.. و الوحدة مُضنيةٌ و البَرْدُ لا يعضّ إلا المنفردين ينهشهم الحنين و تراقصهم اللهفة كل ليلة..


         *الحسين بن ابراهيم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أين المودة والأخلاق... بقلم الشاعر:: فواز ياسين

أين المودة والأخلاق والشرف  إن القباحة في تاريخنا ترف ما عاد في القلب من آهات يلفظها  فاض المصاب وكل الكون يعترف الخيل والليل والبيداء تجهلن...